أفلوطين
127
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
أن تكون النفس جرما لطيفا ، وكل جرم سيال ، غليظا كان أم لطيفا ، كالهواء والريح ، فإنه لا يكون جرم من الأجرام ألطف ولا أرق منهما ، وليس في الأجرام المبسوطة والمركبة جرم هو أكثر سيلانا منهما ولا أسرع انفشاشا . وليس ينبغي للنفس أن تكون على هذه الحال ، وإلّا كانت أرذل وأدنى من الأجرام الغليظة الجاسية « 1 » . وليست كذلك ، بل النفس أشرف وأفضل من كل جرم ، غليظا كان أم لطيفا ، كشرف العلة وفضلها على معلولها « 2 » . ونقول : إن كل جرم ، غليظا كان أم لطيفا ، فإنه ليس بعلّة لوحدانيته ولاتصاله ، بل النفس هي علّة اتصال الجرم ووحدانيته ، لأن الوحدانية مستفادة في الجرم من النفس . وكيف يمكن أن يكون الجرم علة وحدانيته ، ومن شأنه التقطّع والتفرّق ! فلولا أن النفس تلزمه لتفرّق ، ولم يثبت على حالة واحدة البتة . فكيف يمكن أن يكون الهواء والريح نفسانيين وهما سيالان ينفشّان ويتفرّقان سريعا ؟ ! والذي لا يقوى على لزوم نفسه وضبطها فبالحري أن لا يقوى على لزوم غيره . وكيف يمكن أن يكون الهواء نفس هذا العالم وروحه وهو محتاج إلى طقس « 3 » وشرح ؟ ! ونقول : إن هذا العالم لا يجرى بالبخت والاتفاق ، بل إنما يجرى بكلمة نفسانية عقلية بغاية الحزم والتدبير . فإن كان هذا هكذا ، قلنا إن النفس العقلية هي القيّمة على هذا العالم ؛ والأشياء الجرمية إنما هي بمنزلة جزء لها ، وهي التي تلزم هذا العالم بالهيئة التي عليه ، كما تلزم أجرام الحيوان فإنها ما دامت النفس فيها فهي باقية ثابتة ، فإذا فارقتها لم تثبت ولم تبق بل تفسد وتهلك . فكذلك العالم كله ، ما دامت النفس فيه ، باق دائم ؛ فإن فارقته ، هلك ولم يبق على حالة واحدة . وقد شهد لنا على [ 47 ب ] ذلك الجرميون ، لأن الحق يضطرّهم إلى الإقرار بذلك وتضطرّهم الأشياء إلى أن يعلموا أنه ينبغي أن يكون ، قبل الأجرام كلها : المبسوطة والمركبة ، شئ آخر وهو النفس . غير أنهم خالفوا الحق بأن جعلوا النفس ريحا روحانية ونارا روحانية . وإنما وصفوا النفس بهذه الصفة لأنهم رأوا أنه ليس
--> ( 1 ) الجاسية - القاسية ، الصلبة . - وفي ط : الحاسية ( بالحاء المهملة ، والسين والياء المشددتين ) ( 2 ) ص : المعلول . ( 3 ) طقس - &